الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
178
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والغساق : سائل يسيل في جهنم ، يقال : غسق الجرح ، إذا سال منه ماء أصفر . وأحسب أن هذا الاسم بهذا الوزن أطلقه القرآن على سائل كريه يسقونه كقوله : بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ [ الكهف : 29 ] . وأحسب أنه لم تكن هذه الزنة من هذه المادة معروفة عند العرب ، وبذلك يومئ كلام الراغب . وهذا سبب اختلاف المفسرين في المراد منه . والأظهر : أنه صيغ له هذا الوزن ليكون اسما لشيء يشبه ما يغسق به الجرح ، ولذلك سمّي بالمهل والصديد في آيات أخرى . وجملة فَلْيَذُوقُوهُ معترضة بين اسم الإشارة والخبر عنه ، وهذا من الاعتراض المقترن بالفاء دون الواو ، والفاء فيه كالفاء في قوله : فَبِئْسَ الْمِهادُ [ ص : 56 ] وقد تقدمت آنفا . وموقع الجملة كموقع قوله : فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ [ ص : 39 ] كما تقدم آنفا . وقوله : وَآخَرُ صفة لموصوف محذوف دلت عليه الإشارة بقوله : هذا وضمير فَلْيَذُوقُوهُ ووصف آخر يدل على مغاير . وقوله : مِنْ شَكْلِهِ يدل على أنه مغاير له بالذات وموافق في النوع ، فحصل من ذلك أنه عذاب آخر أو مذوق آخر . والشّكل بفتح الشين : المثل ، أي المماثل في النوع ، أي وعذاب آخر غير ذلك الذي ذاقوه من الحميم والغساق هو مثل ذلك المشار إليه أو مثل ذلك الذوق في التعذيب والألم . وأفرد ضمير شَكْلِهِ مع أن معاده حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ نظرا إلى إفراد اسم الإشارة ، أو إلى إفراد ( مذوق ) المأخوذ من ( يذوقوه ) ، فقوله : مِنْ شَكْلِهِ صفة ل آخَرُ . والأزواج : جمع زوج بمعنى النوع والجنس ، وقد تقدم عند قوله : وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ في سورة الرعد [ 3 ] . والمعنى : وعذاب آخر هو أزواج أصناف كثيرة . ولما كان اسما شائعا في كل مغاير صحّ وصفه ب أَزْواجٌ بصيغة الجمع . وقرأ الجمهور : وَآخَرُ بصيغة الإفراد . وقرأه أبو عمرو ويعقوب وأخر بضم الهمزة جمع أخرى على اعتبار تأنيث الموصوف ، أي وأزواج أخر من شكل ذلك العذاب .